إخوان الصفاء

398

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل في أن الأشياء كلها صور وأعيان وإذ قد ذكرنا طرفا من المنطق اللفظي شبه المدخل ، فنريد أن نذكر طرفا من المنطق الفكري ، إذ كان هو الأصل ، وهذا فرع عليه ، كما ذكرنا قبل . فإن الألفاظ إنما هي سمات دالّات على المعاني التي في أفكار النفوس ، وضعت بين الناس ليعبّر كل إنسان عمّا في نفسه من المعاني لغيره من الناس ، عند الخطاب والسؤال ، فنقول إن الأشياء كلها بأجمعها صور وأعيان غيريّات « 1 » أفاضها الباري تعالى على العقل الفعّال الذي هو جوهر بسيط مدرك حقائق الأشياء ، كما بيّنّا في رسالة المبادي العقلية ؛ ومن العقل على النفس الكليّة الفلكية التي هي نفس العالم بأسره ، كما بيّنّا في الرسالة التي فسّرنا فيها معنى قول الحكماء إن الإنسان عالم صغير ، وإن العالم إنسان كبير ؛ ومن النفس الكلية فاضت على الهيولى الأولى التي بيّنّا ماهيّتها في رسالة الهيولى والصورة ؛ ومن الهيولى على النفس الجزئيّة البشرية التي بيّنّا كيفيّة نشوئها في رسالة لنا ترجمتها « الإنسان عالم صغير » وهي ما يتصوّر الناس في أفكارهم من المعلومات بعد مشاهدتهم لها في الهيولى بطريق الحواسّ . فمن أراد أن يعرف كيف كانت صور الأشياء في النفس الكليّة قبل فيضها على الهيولى ، فليعتبر صور مصنوعات البشر كيف تكوّنها في نفوسهم قبل إظهارهم لها في الهيوليّات الموضوعة لهم في صناعتهم كما بيّنّا في رسالة الصنائع . ومن أراد أن يعرف أيضا كيف كانت صور الأشياء في العقل الفعّال قبل فيضه على النفس الكليّة ، وكيف كان قبولها تلك الرسوم والصور ، فليعتبر حال رسوم المعلومات التي في أنفس العلماء ، وكيف إفادتهم للمتعلمين ، وكيف قبولهم لها ، كما بيّنّا في رسالة التعليم . ومن أراد أيضا أن يعرف كيف حال المعلومات في علم الباري ، عزّ وجلّ ، قبل فيضه على

--> ( 1 ) غيريات : جمع غيرية ، وهي كون كل من الشيئين خلاف الآخر ، ويقابلها العينيّة .